19/02/2026

العيش في الغربة التي لا تنتهي

Spread the love

لم تعد ذاتي تعيش في حب «هنا»، وقد تركت بالفعل «هناك». هنا، حيث تتجدد مشاعر الحنين إلى مشاهد من طفولتي الغارقة في الحنان، وإلى شجرة التين التي كانت تمثل لي ملاذًا آمنًا في الصبا. في وطنه الثاني، كان الشاب ينطلق نحو الحياة بشغف شديد، مُستغرقًا في متطلبات التأقلم مع الغربة وتبني عادات جديدة. 

لكن، بينما كان يحلق الفتى في فضاءٍ أرحب، كان يُغرق نفسه أكثر فأكثر في عمق اغترابه عن ذاته. حاول بطرق عدة دمج الهنا بالهناك، فانتهى به المطاف إلى حيرة عميقة، إذ تأثرت لغته وتحولت إلى لغة هجينة. على الرغم من نجاحه المهني، كان خلف تلك الواجهة الناجحة قلقٌ عظيم يخفيه في ظلاله السميكة، فتوالت عليه مشاعر الانفصام، وقد خشي أن يفلت منه العقل ويتعرض للجنون. يقول في نفسه: « إذا رجعت بجنّ/ وإن تركتك بشقى/ لا قدراني فلّ/ ولا قدراني إبقى ».

في خضم هذا الصراع الداخلي، نشرت مقالات عن لبنان بتوقيع «مواطن مُقيم ومغترب معًا»، كفعل إرادة للانتماء إلى هذه المنطقة الوسطى. كنت أريد أن أكسر حلقة التغرّب وأعود إلى وطني الأول، لكن أغلب المحيطين بي لم يفهموا هذا الدافع. أذكر جيدًا دهشة الأصدقاء من حولي، حيث جاءني عزيزاً يستفسر: « ما الذي يدعوك إلى السباحة عكس التيار والعودة إلى بلاد يهجرها الناس؟ » كانت حججي الوجدانية تُثير استغراب جيلي الذي شهد لبنان ما قبل السبعينات.

 البحث عن الهوية

أظهرت عنادًا طفوليًا، وقررت التقاعد والسكن في وطن الصبا. لكن سؤال العمر أصبح صعبًا، فقد صرنا نقود حياتنا أحيانًا، وأحيانًا أخرى تُقودنا الحياة. وبعد ما عشته من غربة خارج الوطن، أصبحت أعيشها داخله. هذا الوطن العجيب الذي لم يصنعه أبناؤه، حيث لم يُكتب له عقد اجتماعي يجعله وطناً طبيعياً.

لم تنجح محاولتي للعودة، بل انكمش الوطن في أعماق ذاتي القلقة. أصبح مجرد فكرة خالية من المشاعر الوطنية، محاولاتي في توضيح ما أريد لم تكن دائمًا مفهومة من الآخرين. فالصديق اختلفت صداقته معك، والذي ظننته كريماً يفاجئني بحرصه المادي المفرط. كشفت طوابق الكذب والتدليس. أصبحت حياتي محايدة، أتعامل مع الأمور  بالتي هي أحسن وأنسب حتى تشابهت الأيام والليالي، وعانق سريري أرقٌ لئيم.

أفكر في المرسوم القادم، بعد أن ظهرت الحقيقة العارية أمام البصيرة. حقيقة أن شجرة التين في حديقة منزلي القروي لم تعد موجودة، وما تبقى من الأشجار لم يعد يُحفز خيالي الوجداني أو حبي لوطني. لم أعد أعرف كيف أستعيد ذلك الإحساس المدفون في أعماقي، إذ انقلبت الغربة من مكان إلى آخر، لتصبح في صدري، تحمل ثقل الذكريات والأحلام المفقودة.

كُتب في 9 يلول 2019