22/05/2026

هل هي ثورة ثقافية في حزب الله؟

Spread the love

 تحت عنوان « من أجل ميثاق لحركة المقاومة كفاعل سياسي« ، صاغ النائب السابق نواف الموسوي نصاً محكماً متعدد الأهداف.  قدمه كـ« إطار فلسفيسياسي قابل للتطوير »  وكفضاء  « لإنتاج المعنى والنقد والخيال« . وقدم فيه تصورات لسياسات  تنقل الدولة « من موقع التابع إلى موقع الند

 انطلقت وثيقة الموسوي الطويلة التي نشرتها جريدة الأخبار في 18  أيار 2026، والتي وُقّعت باسمه كمسؤول عن « ملف الموارد والحدود »  فيحزب الله، من  الجذر  « الأعمق » لأزمة شعوب  المنطقة: أنه لا إمكانية للسياسة بمعناها العميق والنبيل، أي أن تكون السياسة تنظيماً للحقوق  بعد أن تحوّلت العدالة « إلى تقنية لإدارة القوة« . كما يشير إلى أنه  يجب أن يكون  « الاستقلال » واقعاً  لا تُدار الأمور فيه « تحت الإملاء« ، بل يجب أن يكون هناك  « إدارة محلية لمصالح القوى الخارجية » . ويرتبط الاستقلال، في رأيه، ارتباطاً وثيقاً بالعدل، لأن العدل  هو « مبدأ سياسي مؤسس يتصل ببنية المجتمع والدولة معاً » . ويعني ذلك الكرامة الإنسانية وحقوق المواطن أن تكون خارج أيّة امتيازات، وفق تكافؤ الفرص، وتوزيعٍ سليم للموارد مع ضمان  المساءلة والمحاسبة.  

تتوالى الأفكار فيالوثيقة، تلك التي جرت العادة أن تعتبر من صميم مشروع الدولة المدنية اللاطائفية التي ينادي بها  العلمانيون. استخدم مفردات غير مألوفة في أدبيات حزب الله، حيث اعتبر أن المواطنة « تعريفٌ للإنسان بوصفه صاحب حق، لا بوصفه تابعاً لجماعة« ، فهي « رابطة الحق المتساوي » . تُمنح الحقوق المدنية والسياسية للفرد « لأن توزيعها على أساس الجماعة ينسف فكرة الإنسان كذات قانونية« .  وأكد أن « المواطنة لا تعني محو الخصوصيات أو سحقالهويات، بل تعني منع الهويات من التحول إلى مصادر سيادة موازية« . ولذا، فإن احترام التنوع الديني والثقافي واجب « دون أن يتحول إلى نظام امتياز دائم « .  ويعتبر أن « حماية الدستور » من التلاعب ليست مسألة قانونية فقط، بل هي مسألة ثقافية، وأن العقد الاجتماعي لا يُفرض، بل يُصاغبمثل هذه المصطلحات وغيرها، أنتج الميثاق المقترح خطاباً جديداً يطمح  » إلى إعادة تعريف السياسة ذاتها ».  

أتت الوثيقة في وقت يُطالب فيه الحزب بمراجعة سياسية لمواقفه، إذ لم يعد بإمكانه دخول المرحلة المقبلة بعقلية  المرحلة السابقة. فهل نحن أمام ثورةفي التفكير، حتى صار الحزب يسعى إلى بناء نظام سياسي مواطني هو بالضرورة غير طائفي؟وهل أنجز الحزب مراجعة داخلية حول موقع الدولة في عقله السياسي؟فإذا كان صحيحاً أن الميثاق الذي طرحه الموسوي لا يتطرق إلى مسائل ضبط السلاح أو إلى معضلة انضوائه في كنف الدولة المنشودة، ولا يتطرق مباشرة إلى المواقف السياسية، فإنه يعكس أجواء حوارات عميقة تجري داخل الحزب. كما يشير إلى منهجية في التعاطي السياسي تقبل الانخراط في نظام معين دون أن تعني التسليم به، بل تحويل أدواته إلى ساحات كفاح قانوني وسياسي مع الحفاظ على الأخلاق السياسية لمشروع حركة المقاومة كفاعل

تعرض الميثاق لمجموعة من القضايا التي تستحق نقاشات مستفيضة : السيادة كمفهوم، والسيادةالاقتصادية وأسس مقاربتها من الناحية البنيوية، وسيادة القانون لأن القوة إذا لم  تُقيد تفسد. كما يتناول الميثاق محاربة الفساد باعتبارها مسألة سيادية، واستقلال القضاء الذي هو شرط من شروط العدالة، وكيف أن النظام العالمي قام على « تقسيم بين مراكز تتحكم وأطراف تخضع« ، مما يجعل القرار الوطني المستقل للدول قابلاً للاختطاف. ولا يرى هذا المشروع نفسه معزولاً عن حركات العدالة في العالم، بل ينضوي في مواجهة العنصرية والهيمنة، لا بخطاب كراهية مضاد، بل بإبراز بديل أخلاقي يقوم على الكرامة والمساواة

لم يذكر الميثاق كلمة  « ديموقراطية » بشكل صريح، لكنه اعتمدها ضمناً ووضح معانيها.  فالتمثيل السياسي « ليس بيعة أبدية بل عقد قابل للمراجعة« ، والسلطة تميل بطبيعتها إلى التمركز، لذا يتوجب تشجيع تداول النخب للسلطة.  إنه « اعتراف فلسفي بأنه لا أحد يملك الحق  (بالتمثيل السياسي) حصرياً« . كما لم ينس أن يذكر النقابات المستقلة والجمعيات الحية والمجالس المحلية الفاعلة، وضمان حق المعارضة السلمية وفصلالسلطات.

لكن الميثاق يستفيض في مهمة تجديد الخطاب العام، وهي لعمري استفاضة حميدة في ظروف تشهد استعار التجريح والشتائم على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد حدد لهذه المهمة عنواناً فرعياً: « من التخوين إلى الحوار« ، داعياً لاعتماد لغة هادئة تحاكي العقول لتهذيبها، وتسعى لبناء مساحة مشتركة معا لآخرين. فالمشروع « الذي لا يراجع نفسه يتحول إلى عقيدة مغلقة« ، واللغة التي تقوم على التخوين تحول السياسة إلى حرب هويات. « والخطر لا يأتي فقط من الخصوم أو من الخارج، بل حين تُغلق أبواب النقد« . كما يتحول الاختلاف النظري إلى اشتباك سياسي دائم.  

إذن، هو  « مشروعتحرري » يسعى إلى إعادة بناء بنية الوعي. لكن هل يسعى، على غرار تجربة الإمام موسى الصدر، إلى إنتاج لغة وطنية تدمج هوية الجماعة الشيعية في المجال اللبناني الأوسع؟لم يتحدث عن وحدة الشيعة كطائفة ولا عن حصتها في النظام السياسي، بل أشار بحرقة إلى حال الدولة حين تكون ضعيفة أو مفككة، عندما يغيب القانون وتتحول الجماعات إلى بدائل